من حق كل شخص أن يسعى لتنمية مهاراته وقدراته وأن يسعى لتطوير ذاته وكذلك من حق كل شركة وكل مؤسسة أن تسعى للارتقاء بمواردها البشرية، من خلال البرامج المؤهلة لذلك، ولكن أن تتحول هذه البرامج إلى هوس يتصور أصحابه أن بمقدورهم أن يصنعوا من أنفسهم نماذج خرافية بإمكانها صنع المستحيل، فهو الأمر الذي لا يمكن قبوله أو التسليم به بحال من الأحوال.

وأعتقد أن رسوخ هذا المفهوم مرده أن الغالبية العظمى اعتمدت المفهوم الغربي للتنمية البشرية، الذي يصور لمطالعيه أنهم من خلاله يمكنهم تحسين أوضاعهم المالية.

ولأننا أصبحنا نعيش في مجتمع طغى عليه الفكر المادي لدرجة أن تحصيل الأموال أصبح يمثل الشغل الشاغل لكافة الطوائف الاجتماعية، فمن الطبيعي إذن أن يلهث الناس وراء النموذج الغربي للتنمية البشرية، بكل ما يحتويه من إيجابيات وسلبيات، وتلك هي مشكلة العقلية العربية، في تعاطيها للأفكار الوافدة عليها، فمن غير تدقيق ولا تمحيص تأخذ النموذج المطروح عليها كما هو وتحاول أن تقولب نفسها بداخله، متغاضية عما إذا كانت هذه القوالب فضفاضة عليها أم ضيقة؟ لا يعنيها ذلك لأنها وبمنتهى البساطة شغفت بما هو مقدم إليها، ورأت أنه حل للكثير من مشكلاتها.

الغريب أن هذا التعاطي للتنمية البشرية يحدث وقد غاب عن فكر كل المشغوفين بالنموذج الغربي للتنمية البشرية، أن ثقافتنا الإسلامية البشرية تملك نموذجا أكثر فاعلية وأكثر مواءمة لطبيعتنا البشرية ولعقليتنا الملتزمة، فضلا عن كونه نموذجا لتنمية بشرية فعلية، يمكن من خلالها تنمية كل الجوانب البشرية على خلاف النموذج الغربي الذي يقتصر على الجوانب المتعلقة بالمادة فقط.

بل الأهم من ذلك أن نعلم أن التنمية البشرية في الإسلام ليست مجرد رغبة من البعض في تطوير ذواتهم، بل هي واجب ديني اقتضته طبيعة الإسلام الداعية إلى العمل والإخلاص، كما أنها فضلا عن اهتمامها بالجوانب المهارية، لم تغفل الجوانب الأخلاقية، حيث استمدت التنمية البشرية في الإسلام منهجها من المنهج العام للحضارة الإسلامية، الذي لم يغفل البعد الأخلاقي في كل توجهاته، لذلك فإن علماء الأمة الإسلامية مطالبون باستخلاص أسس التنمية البشرية من بطون كتب التراث وإعادة استخدامها بنفس الطريقة التي استخدمها بها الأوائل، حتى تؤتي نفس النتيجة التي حصلوا عليها.

والتراث الإسلامي مليء بالعديد من النماذج التي استفادت من فكر التنمية البشرية في الإسلام، فتمكنت تلك النماذج من تعلم العديد من اللغات والإلمام بالعديد من الثقافات، فضلا عن اكتساب مهارات جديدة مكنتهم من المساهمة في بناء حضارة خالصة نسبت لهم وبقيت مفخرة للأجيال التي لحقت بهم، لذلك فمن المفترض إن كنا نرغب في بناء حضارة جديدة أن ننطلق من نفس النقطة التي بدأوا منها، وهي التنمية الذاتية من خلال معطيات الفكر الإسلامي المتزن النقي من شوائب كل ما هو دخيل.